القرطبي
114
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الغفاري قوله تعالى : ( أن لا تزر وازرة وزر أخرى ) إلى قوله : ( فبأي آلاء ربك تتمارى ) في صحف إبراهيم وموسى ، وقد مضى في آخر ( الانعام ( 1 ) ) القول في ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) مستوفى . قوله تعالى : ( وأن ليس للانسان الا ما سعى ) روي عن ابن عباس أنها منسوخة بقوله تعالى : ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ( 2 ) ) فيحصل الولد الطفل يوم القيامة في ميزان أبيه ، ويشفع الله تعالى الآباء في الأبناء والأبناء في الآباء ، يدل على ذلك قوله تعالى : ( آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ( 3 ) ) . وقال أكثر أهل التأويل : هي محكمة ولا ينفع أحدا عمل أحد ، وأجمعوا أنه لا يصلي أحد عن أحد . ولم يجز مالك الصيام والحج والصدقة عن الميت ، إلا أنه قال : إن أوصى بالحج ومات جاز أن يحج عنه . وأجاز الشافعي وغيره الحج التطوع عن الميت . وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن وأعتقت عنه . وروى أن سعد بن عبادة قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن أمي توفيت أفأتصدق عنها ؟ قال : ( نعم ) قال : فأي الصدقة أفضل ؟ قال : ( سقي الماء ) . وقد مضى جميع هذا مستوفى في ( البقرة ( 4 ) ) و ( آل عمران ( 5 ) ) ( والأعراف ( 6 ) ) . وقد قيل : إن الله عز وجل إنما قال : ( وأن ليس للانسان إلا ما سعى ) ولام الخفض معناها في العربية الملك والايجاب فلم يجب ( 7 ) للانسان إلا ما سعى ، فإذا تصدق عنه غيره فليس يجب له شئ إلا أن الله عز وجل يتفضل عليه بما لا يجب له ، كما يتفضل على الأطفال بادخالهم الجنة بغير عمل . وقال الربيع بن أنس : ( وأن ليس للانسان إلا ما سعى ) يعني الكافر وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له غيره . قلت : وكثير من الأحاديث يدل على هذا القول ، وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره ، وقد تقدم كثير منها لمن تأملها ، وليس في الصدقة اختلاف ، كما في صدر
--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 157 وص 215 . ( 2 ) راجع ص 66 من هذا الجزء . ( 3 ) راجع ج 5 ص 74 . ( 4 ) راجع ج 3 ص 428 . ( 5 ) راجع ج 4 ص 151 . ( 6 ) هكذا في الأصول ولم نعثر على هذا المعنى في السورة المذكورة . ( 7 ) في ب ، ح ، ز ، س ، ل وه : ( فليس يجب ) .